الصورة التنفيذية
أ.د نجيب أحمد عبدالله الجبلي *
    يحصل في الواقع العملي الخلط بين الصورة التنفيذية، ونسخة الحكم الأصلية، لذلك تجد المحاكم تقوم بإجراء التنفيذ بموجب نسخة الحكم الأصلية،أو أي سند تنفيذي آخر، دون الالتفات إلى الصورة التنفيذية، وهذا يترتب عليه بطلان إجراءات التنفيذ، بل أن بعض المحاكم تقوم بإجرائه بموجب صورة فوتوغرافية للسند التنفيذي.
   لذلك سنحاول في هذه المقالة المختصرة الكلام عن الصورة التنفيذية وتمييزها عما قد يختلط بها. الصورة التنفيذية هي نسخة طبق الأصل من السند التنفيذي يوضع عليها خاتم المحكمة ويوقعها الكاتب وتذيل بالصيغة التنفيذية م(329) من قانون المرافعات والتنفيذ، ولا تسلم إلا لصاحب الحق في التنفيذ لمرة واحدة.
   وتعتبر شرطاً شكلياً للسند التنفيذي، ويقوم الكاتب في المحكمة التي أصدرت الحكم، أو أمر الأداء بتسليم الصورة التنفيذية للخصم الذي تعود عليه منفعة من تنفيذ السند.
   أما في أحكام المحكمين فالمحكمة المختصة بتنفيذها هي محكمة الاستئناف أو من تنيبها، إلا أنه يجب أن تسلم الصورة التنفيذية المذيلة بالصيغة التنفيذية من محكمة الاستئناف المختصة، والواقع أن الصورة التنفيذية تشهد على أن حائزها هو صاحب الصفة في التنفيذ، ولا يتصور أن يجري لصالح أي شخص لا يحمل هذه الصورة، وإنما يجري لصالح صاحب الحق الذي تشهد له بذلك الصورة التنفيذية، ويلزم القانون بعدم تسليم هذه الصورة، إلا بعد التأكد من أن السند جائز تنفيذه، فإذا سلم الكاتب الصورة التنفيذية خطأ كما لو سلم صورة تنفيذية لحكم صادر من محكمة أول درجة وكان غير جائز تنفيذه، فإن قاضي التنفيذ يمتنع عن إصدار الأمر بتنفيذه، وإذا ما بوشر التنفيذ كان باطلاً غير قابل للتصحيح، وإذا امتنع الموظف المختص عن تسليم الصورة التنفيذية كان لطالب التنفيذ أن يرفع عريضة يطلب الصورة التنفيذية إلى رئيس المحكمة التي أصدرت الحكم، أو المحكمة المختصة بتسليمها، فيصدر القاضي أمره فيها طبقاً للأحكام المقررة في الأوامر على عرائض، فإذا سلمت الصورة التنفيذية بغير حق وحصل التنفيذ بمقتضاها جاز الاستشكال والمنازعة في التنفيذ، ولا يجوز تسليم صورة تنفيذية ثانية، إلا في حالة ضياع الصورة الأولى.
   ويجب حصول صاحب الحق في التنفيذ على صورة تنفيذية ثانية، فلا يكفي في هذا الشأن أن يثبت طالب التنفيذ سبق حصوله على الصورة الأولى المدعى بضياعها وعدم استعمالها، بل عليه رفع دعوى إلى المحكمة بتسليمه صورة تنفيذية، طبقاً للإجراءات المعتادة في رفع الدعوى، لأن الأمر يتخذ شكل النزاع، وعلى المحكمة نظر هذه الدعوى بإجراءات سريعة ويؤشر عليها بعبارة لا عمل للأصل المفقود إن وجد م(332) من قانون المرافعات والتنفيذ وعلى ذلك لا يجوز التنفيذ بموجب صورة مطابقة للأصل من (الصورة التنفيذية)، أو بموجب السند التنفيذي ذاته، أي بدون صورة تنفيذ ولا يعتد بالنص الخاص الوارد في قانون الإثبات والذي يجعل للصورة الرسمية المعمدة المنقولة من الأصل حكم أصلها، لأن الصورة التنفيذية تعتبر شرطاً من شروط التنفيذ وليس دليل إثبات، إضافة إلى ذلك أن قانون التنفيذ يلزم الدائن بإعلان المدين بالصورة التنفيذية، وبالتالي الصورة التنفيذية من المفترضات الأساسية للتنفيذ، ولا يجوز التنفيذ إلا بعد استيفائها.
   وعلى طالب الصورة الثانية إثبات ضياع الصورة التنفيذية الأولى بكافة طرق الإثبات، والمحكمة المختصة بنظر هذه الدعوى هي المحكمة التي أصدرت الحكم ولو كانت محكمة الاستئناف.
   وخلاصة ذلك أنه لا يجوز للكاتب تسليم صورة تنفيذية ثانية من تلقاء نفسه، ولكن يجب عليه أن يسلم صورة ثانية بموجب حكم ومناط ذلك تفادي التنفيذ أكثر من مرة بمقتضى سند تنفيذي واحد على أنه يجب مراعاة الاستثناءات الواردة على القاعدة السابقة، وجواز تنفيذ السند التنفيذ بدون صورة تنفيذية، وبدون مقدمات التنفيذ في حالات تنفيذ الحكم المستعجل م(243) من القانون الذي يجري تنفيذه بموجب مسودته.
   وعلى ذلك تختلف الصورة التنفيذية عن مسودة الحكم التي تحرر بخط أحد القضاة م(225) من قانون المرافعات اليمني، ولا يشترط القانون شكلاً معيناً لها سوى الكتابة، ويجوز فيها الشطب، والتحشير، وتتضمن المسودة على منطوق الحكم وأسبابه، ويوقعها القضاة المشتركون في الحكم، ويترتب على مخالفة ذلك بطلان الحكم وتحفظ في ملف القضية، ولا تعطى من المسودة صورة، ولا يجوز اطلاع الخصوم عليها قبل النطق بالحكم، أما نسخة الحكم الأصلية وهي النسخة التي يحررها كاتب المحكمة من المسودة ويوقع عليها كاتب المحكمة وهيئة الحكم وختمها بخاتم المحكمة م(228) من قانون المرافعات، وتحفظ في ملف القضية، ويعطى من النسخة الأصلية صورة طبق الأصل إلى كل من يطلبها من أصحاب الشأن، كما يجوز تسليم صورة بسيطة منها لمن يطلبها م(69/2) من قانون المرافعات لذلك يجب عدم الخلط بين الصورة التنفيذية والتي تعطى لصاحب التنفيذ لمرة واحدة، وبحكم إذا فقدت، وبين النسخة الأصلية التي تعطى منها صورة طبق الأصل لمن يطلبها من أصحاب الشأن، وبالتالي لا يجوز التنفيذ بموجب صورة فوتوغرافية للسند التنفيذي، وإلا كان التنفيذ باطلاً، وبمعنى آخر لا يجوز التنفيذ بموجب السند التنفيذي الذي لا يحمل شكل الصورة التنفيذية.
   كما يجب التمييز بين الصورة التنفيذية وهي نسخة طبق الأصل من السند التنفيذي والتي تعطى للأحكام والسندات التنفيذية الجائز تنفيذها، وبين الصيغة التنفيذية والتي تعتبر الشرط الثاني لشكل السند التنفيذي الواجب تنفيذه وبالتالي لا يجوز التنفيذ إلا بموجب صورة تنفيذية مذيلة بالصيغة التنفيذية.
   والصيغة التنفيذية هي عبارة عن ألفاظ محددة في المادة (326/2) والتي تنص على أنه ( بقوة الشرع والقانون: فإن السلطة القضائية تقرر فرض تنفيذ هذا السند التنفيذي جبراً وعلى السلطة العامة أن تعين على إجرائه ولو باستعمال القوة المسلحة متى طلب قاضي التنفيذ منها ذلك). وبهذه الألفاظ أوضح المشرع اليمني الطبيعة القضائية لإجراءات التنفيذ الجبري، وإذا ما طلب قاضي التنفيذ الاستعانة بالسلطة التنفيذية، ظل الأمر تحت رقابته وسلطته. مما سبق يتضح لنا أن القانون اليمني جاء بنصوص واضحة، ولكن ليستقيم الحال يجب أن تتضافر الجهود التطبيقية تطبيقاً سليماً، ولا يمكن ذلك إلا بتفهم القضاة من خلال فهم القانون، كما يجب على أعوان القضاة من كتبة ومحضرين، ومحامين المساعدة في ذلك.
---------------
* أستاذ قانون المرافعات المشارك - رئيس قسم المرافعات والتنفيذ المدني - كلية الشريعة والقانون - جامعة صنعاء.
عودة