نظام الحبس في قانون التنفيذ اليمني الجديد
* أ.د نجيب أحمد عبدالله الجبلي
وإذا تكلمنا عن نظام الحبس وشروطه كضمان لإجبار المدين على التنفيذ، نلاحظ أن هذا التنظيم يحسب للقانون اليمني بتنظيمه هذه الوسيلة، ولا تثور مشكلة في ذلك في حال التنفيذ المباشر، وهو عندما يكون محله عين ما ألتزم به المدين في السند التنفيذي، ولكن تثور المشكلة في حالة التنفيذ غير المباشر (الحجوز)، وبمعنى آخر هل يجوز حبس المدين كضمان أو كوسيلة لإجبار المدين على التنفيذ غير المباشر (الحجوز)؟
وقبل الإجابة على هذا السؤال في ظل القانون اليمني يجب الإشارة إلى أن سبب طرح هذا السؤال، ورود أحكام الحبس وتنظيمه وتحديده في وسائل إجبار المدين في طرق التنفيذ المباشر ولم يرد نص صريح يمنع أو يجيز الحبس في التنفيذ غير المباشر (الحجوز).
أولاً: مفهوم النصوص المنظمة لوسيلة الحبس كضمان لإجبار المدين على التنفيذ توحي شموليتها لجميع إجراءات التنفيذ الجبري بما فيها الحجوز:
هناك نصوص وردت في القانون بلفظ عام وهي:
1- المادة (359) والتي تنص على أنه: (إذا لم يقم المنفذ ضده بالتنفيذ خلال الثلاثة الأيام المشار إليها في المادة السابقة وجب على القاضي أن يصدر قراراً بحبسه حتى يقوم بالتنفيذ...) والنص جاء بلفظ العام (المنفذ ضده) وبالتالي أجازت هذه المادة الحبس في جميع طرق التنفيذ، وقد جاء في المذكرة التفسيرية للمشروع بأنه من شأن هذه الوسيلة التخفيف على النيابة العامة، وعلى جوازه في الحجور حيث راعى واضعو المشروع تطبيقه في الدين أو في غيره
(1).
1- المذكرة التفسيرية للمشروع - مطبوعات مجلس النواب - 2000م - ص 237.
2- نصت المادة (362) على أنه: (لا تسمع من المنفذ ضده عند التنفيذ دعوى الاعسار أو طلب الحكم بالإفلاس ويجب حبسه حتى يفي بما تضمنه السند التنفيذي) يفهم من النص أنه لا يجوز الادعاء بالاعسار أو الإفلاس بعد وصول الخصومة إلى مرحلة التنفيذ ويفهم من النص السابق جوازه أيضاً في (الحجوز).
3- نصت المادة (363/2) على أنه يجب إنهاء إجراءات التنفيذ بوسيلة الحبس في أية مرحلة كانت عليها ويفرج على المنفذ ضده في الحالات الآتية:
1- إذا قام المنفذ ضده باستعمال وسيلة الإيداع مع (الترخيص). واللفظ في المادة عام، كما أن الإيداع والتخصيص لا يكون إلا في حالة الحجوز. 4- نصت المادة (360) على أنه (تسوى أحكام المادة السابقة على ممثل الشخص المعنوي الخاص) أي نظام الحبس، لأنه يحصل المماطلة والتسويف خاصة مع تعذر أو صعوبة إجراءات التنفيذ بالطريق غير المباشر(1) (الحجوز). 5- نصت المادة (425) على أنه: (إذا رفض المحجوز عليه حجزاً تنفيذياً تسليم الأموال المحجوزة، أو قام بعمل خلافاً لمقتضى الحجز أو أخفى الأموال، أو كانت الأموال المحجوزة لا تفي بالدين جاز للقاضي أن يأمر بحسبه وفقاً لهذا القانون) أضافت هذه المادة (وفقاً لهذا القانون) وبالرجوع للمذكرة التفسيرية نجد أنها أشارت أن ذلك المقصود منه نظام الحبس المقرر في القانون كوسيلة لإجباره على التنفيذ أو القيام بما هو واجب عليه(2). مما سبق يتضح لنا أن مفهوم النصوص السابقة توحي بجواز تطبيق الحبس كوسيلة لإجبار المدين على التنفيذ في حالة الحجوز أو التنفيذ غير المباشر . ثانياً: مفهوم النصوص المنظمة للحبس كوسيلة لإجبار المدين توحي بعدم تطبيقه على التنفيذ المباشر (الحجوز) - من خلال تنظيم الحبس، واستقراء بعض مواد القانون على النحو التالي:- 1- نظم الحبس كوسيلة لضمان إجبار المدين على التنفيذ في الفصل المخصص للتنفيذ المباشر وإجراءاته، ولو كان المشرع يرغب بشموليته، لكان محله في الأحكام العامة للتنفيذ وطرقه وهو الفصل الأول من الباب الثاني، وقد جاء في المذكرة التفسيرية للمشروع في بداية الفرع الأول الموسوم - بوسائل التنفيذ المباشر- ما نصه: (قررت اللجنة جعل هذا الفرع خاصاً بالوسائل الخاصة بالتنفيذ المباشر لحصر أنواعها وتحديد قواعدها بحيث يمنع القضاة من الاجتهاد فيها أو السير بمسار غير مقرر في القانون)(1). 2- المادة (357) حددت وخصصت وسائل الإجبار على التنفيذ المباشر في الغرامة التهديدية، والحبس، ووسائل استعمال القوة، ومعلوم أن الخاص لا يتعدى إلى غير ما خصص له، ويؤكد هذا التخصيص ما جاء بالمذكرة التفسيرية للمشروع ما نصه: (لقد رأت اللجنة حصر وسائل التنفيذ المباشر فيما تضمنته هذه المادة باعتبارها الوسائل اللازمة للتنفيذ العيني المباشر)(2) 3- نصت المادة (365) على أنه: (إذا رفض الكفيل التنفيذي خلال المدة المحددة في البند (5) من المادة (363) من هذا الفصل وجب على القاضي الأمر بحسبه أو التنفيذ على أمواله دون حاجة إلى حكم جديد). يتضح أن هذه المادة أجازت حبس الكفيل في حالة التنفيذ المباشر، ولم تجز ذلك في حالة الحجز وإنما اكتفت ببيع أمواله دون حاجة إلى حكم جديد. مما سبق يتضح أن تنظيم الحبس كوسيلة لإجبار المدين على التنفيذ يطبق في حالة التنفيذ المباشر دون الحجوز. ثالثاً: رأينا في استعمال الحبس كوسيلة ضمان لإجبار المدين في حالات الحجوز: أوضحنا إلى مدى تناقض القانون اليمني والمذكرة التفسيرية للمشروع حول جواز الحبس من عدمه في التنفيذ غير المباشر (الحجوز) وسنحاول إيجاد صيغة توفيقية بين الاتجاهين السابقين. والواقع أن الفقه الإسلامي مؤيد ومعارض لفكرة الحبس ذهب جمهور الفقهاء إلى جواز حبس المدين الموسر المماطل، لا إكراهه على الوفاء(1) استناداً إلى قولـه صلى الله عليه وسلم (مطل الغني ظلم)، أما غير ذلك فلا يجوز لقوله تعالى (نظرة إلى ميسرة) وذهب إلى جواز الحبس بنص الفقه القانوني(2) وبعض التشريعات العربية، وعارض فكرة الحبس بنص الفقه استناداً إلى أن الحبس يمس بدن المدين وكراهته، وإن في حبسه تعطيلاً لقوته البشرية دون فائدة، ومن الأفضل أن يترك ليعمل ليجد ما يفي به دينه(3). وإن كان الأمر كذلك نرى أن نظام الحبس كوسيلة ضمان لإجبار المدين على التنفيذ غير المباشر (الحجوز) لا يكون مناسباً إلا في حالات محددة، ذلك أن القانون قد وضع الحبس كعقوبة على جرم أرتكبه المدين في حالة الحجوز وهو عرقلة سير إجراءات الحجز للقاضي الحكم بحبسه، مادة (424) كعقوبة، أو جزاء على جريمة (عرقلة سير إجراءات التنفيذ) غير أن هذا الجزاء وتوقيع العقوبة لا يمكن الحكم به، إلا إذا وصلت سير إجراءات التنفيذ (الحجز) إلى مرحلة متقدمة، وثبت أن المدين قام بعرقلة سير إجراءات الحجز، أما إذا لم يبدأ الدائن بمباشرة الحجز نتيجة لعدم توصله إلى مال المدين بقيامه باخفاء أو تهريب أمواله، فلا يمكن توقيع الجزاء المقرر في المادة (424) وينبغي البحث عن وسيلة أخرى للوصول إلى أموال المدين، وهي وسيلة الحبس المقررة كضمان لإجبار المدين على التنفيذ، لأنها ستكون وسيلة فعالة وعملية ومناسبة في حالة قيام المدين بإخفاء أمواله. ومناط ذلك أن القانون اليمني لم يضع ضوابط يلتزم بها الدائن عند البحث عن أموال مدينه، وما على الدائن إلا أن يقوم بالبحث عن ذلك كيفما شاء. نخلص من ذلك إلى أن نظام الحبس كوسيلة لإجبار المدين على التنفيذ في حالة الحجوز أو التنفيذ غير المباشر يمكن تطبيقه في حالات ضيقة جداً كما هو الحال عندما يبحث الدائن عن أموال مدينه ليحجز عليها، وكان من ظاهر حال المدين اليسار وأدعى الإعسار فيحبس. ولسنا هنا في دراسة نظام الحبس بصفة عامة ولكن لزم علينا التنويه إلى الغلط الموجود في نظام الحبس والتناقض الحاصل في جوازه من عدمه في حالات التنفيذ غير المباشر (الحجوز)، وسنحاول الكلام عن بقية شروطه، وخصوصاً ما يتعلق بمدته، والتي لم يضع لها القانون مدة محددة بحسب الدين أو التنفيذ الملزم به المنفذ ضده حيث جاءت النصوص بوجوب حبسه حتى يفي بما عليه، وحتى يقوم بتنفيذ السند التنفيذي.
--------------------
*
أستاذ قانون المرافعات المشارك- رئيس قسم المرافعات والتنفيذ المدني- كلية الشريعة والقانون -جامعة صنعاء